أسباب اختلاف الفقهاء

لاحظنا فيما سبق ظاهرة اختلاف المذاهب في تقرير الأحكام الشرعية، ليس فيما بين المذاهب فقط، وإنما في دائرة المذهب الواحد، وقد يستغرب الشخص العادي غير المتخصص في الدراسات الفقهية مثل هذا الاختلاف، لاعتقاده أن الدين واحد، والشرع واحد، والحق واحد لايتعدد، والمصدر واحد وهو الوحي الإلهي، فلماذا التعدد في الأقوال، ولم لايوحد بين المذاهب، فيؤخذ بقول واحد يسير عليه المسلمون، باعتبارهم أمة واحدة؟! وقد يتوهم أن اختلاف المذاهب اختلاف يؤدي إلى تناقض في الشرع، أو المصدر التشريعي، أو أنه اختلاف في العقيدة كاختلاف فرق غير المسلمين من أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، والعياذ بالله!!

وهذا كله وهم باطل، فإن اختلاف المذاهب الإسلامية رحمة ويسر بالأمة، وثروة تشريعية كبرى محل اعتزاز وفخار،واختلاف في مجرد الفروع والاجتهادات العملية المدنية الفقهية، لافي الأصول والمبادئ أو الاعتقاد، ولم نسمع في تاريخ الإسلام أن اختلاف المذاهب الفقهية أدى إلى نزاع أو صدام مسلح هدد وحدة المسلمين، أو ثبط همتهم في لقاء أعدائهم؛ لأنه اختلاف جزئي لايضر، أما الاختلاف في العقيدة فهو الذي يعيبها ويفرق بين أبنائها، ويمزق شملها، ويضعف كيانها، لهذا فإن العودة إلى العمل بالفقه الإسلامي، والاعتماد على تقنين موحد مستمد منه سبيل لتدعيم وحدة الأمة الإسلامية ونبذ خلافاتها.

وبه يتبين أن اختلاف الفقهاء محصور فقط بين المأخوذ من مصادر الشريعة، بل هو ضرورة اجتهادية يمليها الاجتهاد نفسه في فهم الحكم من الأدلة الشرعية مباشرة، كما هو الشأن في تفسير نصوص القوانين، واختلاف الشراح فيما بينهم، وذلك إما بسبب طبيعة اللغة العربية المجملة أو المحتملة ألفاظها أحياناً أكثر من معنى واحد محدد، وإما بسبب رواية الحديث وطريق وصوله إلى المجتهد قوة وضعفاً، وإما بسبب التفاوت بين المجتهدين في كثرة أو قلة الاعتماد على مصدر تشريعي، أو لمراعاة المصالح والحاجات والأعراف المتجددة المتطورة. ومنبع الاختلاف: هو تفاوت الأفكار والعقول البشرية في فهم النصوص واستنباط الأحكام، وإدراك أسرار التشريع وعلل الأحكام الشرعية.

وذلك كله لاينافي وحدة المصدر التشريعي، وعدم وجود تناقض في الشرع نفسه، لأن الشرع لاتناقض فيه، وإنما الاختلاف بسبب عجز الإنسان، لكن يجوز العمل بأحد الآراء المختلفة، رفعاً للحرج عن الناس الذين لايجدون سبيلاً آخر بعد انقطاع الوحي إلا الأخذ بما غلب على ظن هذا المجتهد أو ذاك، مما فهمه من الأدلة الظنية، والظن مثار اختلاف الأفهام، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد».[1]

أما الأدلة القطعية التي تدل على الحكم يقيناً وقطعاً بسبب قطعية ثبوتها وقطعيةدلالتها المستنبطة منها، كالقرآن والسنة المتواترة أو المشهورة () ، فلا مجال أصلاً لاختلاف الفقهاء في الأحكام المستفادة منها.

وأهم أسباب اختلاف الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة الظنية هو مايأتي ([2]) :

أولاً ـ اختلاف معاني الألفاظ العربية: إما بسبب كون اللفظ مجملاً، أو مشتركاً، أو متردداً بين العموم والخصوص، أو بين الحقيقة والمجاز، أو بين الحقيقة والعرف، أو بسبب إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة. أو بسبب اختلاف الإعراب، أو الاشتراك في الألفاظ إما في اللفظ المفرد: كلفظ القُرْء الذي يطلق على الأطهار وعلى الحيضات، ولفظ الأمر: هل يحمل على الوجوب أو على الندب، ولفظ النهي: هل يحمل على التحريم أو الكراهية؟

وإما في اللفظ المركب: مثل قوله تعالى بعد آية حد القذف: {إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه} [فاطر:10/35]، اختلف في الفاعل، هل هو الكلم، أو العمل.

وإما في الأحوال العارضة، نحو: {ولا يضارَّ كاتب ولا شهيد } [البقرة:2/282]، فإنه يحتمل لفظ ( يضار ) وقوع الضرر منهما أو عليهما.

ومثال التردد بين العموم والخصوص: {لا إكراه في الدين} [البقرة:2/256]، هل هو خبر بمعنى النهي، أو هو خبر حقيقي؟.

والمجاز له أنواع: إما الحذف، وإما الزيادة، وإما التقديم وإما التأخير.

والتردد بين الإطلاق والتقييد: نحو إطلاق كلمة الرقبة في العتق في كفارة اليمين، وتقييدها بالإيمان في كفارة القتل الخطأ.

ثانياً – اختلاف الرواية: وله أسباب ثمانية، كأن يصل الحديث إلى أحدهم ولايصل إلى غيره، أو يصل من طريق ضعيف لايحتج به، ويصل إلى آخر من طريق صحيح، أو يصل من طريق واحد، ويرى أحدهم أن في بعض رواته ضعفاً لايعتقده غيره، أو لايراه مانعاً من قبول الرواية، وهذا مبني على الاختلاف في طريق التعديل والترجيح.

أو يصل إليهما من طريق متفق عليه، غير أن أحدهما يشترط في العمل به شروطاً لا يشترطها الآخر، كالحديث المرسل ( وهو مارواه غير الصحابي بدون سند إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم).

ثالثاً ـ اختلاف المصادر: وهناك أدلة اختلفوا في مدى الاعتماد عليها، كالاستحسان والمصالح المرسلة وقول الصحابي والاستصحاب، والذرائع ونحوها من دعوى البراءة أو الإباحة وعدمها.

رابعاً ـ اختلاف القواعد الأصولية أحياناً: كقاعدة العام المخصوص ليس بحجة، والمفهوم ليس بحجة، والزيادة على النص القرآني نسخ أم لا، ونحو ذلك.

خامساً ـ الاجتهاد بالقياس: هو أوسع الأسباب اختلافاً، فإن له أصلاً وشروطاً وعلة، وللعلة شروطاً ومسالك، وفي كل ذلك مجال للاختلاف، والاتفاق بالذات على أصل القياس ومايجري فيه الاجتهاد ومالايجري أمر يكاد يكون غير متحقق. كما أن تحقيق المناط (وهو التحقق من وجود العلة في الفرع) من أهم أسباب اختلاف الفقهاء.

سادساً ـ التعارض والترجيح بين الأدلة: وهو باب واسع اختلفت فيه الأنظار وكثر فيه الجدل. وهويتناول دعوى التأويل والتعليل والجمع والتوفيق والنسخ وعدمه. والتعارض إما بين النصوص أو بين الأقيسة مع بعضها، والتعارض في السنة قد يكون في الأقوال أو في الأفعال، أو في الإقرارات، وقد يكون الاختلاف بسبب وصف تصرف الرسول سياسة أو إفتاء، ويزال التعارض بأسباب من أهمها الاحتكام إلى مقاصد الشريعة، وإن اختلفت النظرة إلى ترتيب المقاصد.

وبهذا يعلم أن اجتهادات أئمة المذاهب جزاهم الله خيراً لايمكن أن تمثل كلها (شرع الله المنزل على رسوله صلّى الله عليه وسلموإن كان يجوز أو يجب العمل بأحدها، والحق أن أكثرها مسائل اجتهادية وآراء ظنية تحترم وتقدر على السواء، ولايصح أن تكون ذريعة للعصبية والعداوة والفرقة الممقوتة بين المسلمين الموصوفين في قرآنهم بأنهم إخوة، والمأمورين بالاتفاق والاعتصام بحبل الله. وقد كان المجتهد من الصحابة يتحاشى أن يسمى اجتهاده: حكم الله أو شرع الله، وإنما كان يقول: هذا رأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء. وكان مما يوصي به النبي صلّى الله عليه وسلم أمير الجيش أو السرية قوله: «وإذا حاصرت حصناً فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلاتنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لاتدري، أتصيب حكم الله فيهم أم لا» ([3]) .

وهو يدل على أن الأصح في قضية الإصابة والخطأ في الاجتهاد في الفروع الفقهية، هو مذهب المخطئة، وهم جمهور المسلمين، منهم الشافعية، والحنفية على التحقيق، الذين يقولون بأن المصيب في اجتهاده واحد من المجتهدين، وغيره مخطئ؛ لأن الحق لايتعدد. ويقولون أيضاً: إن الله تعالى في كل واقعة حكماً معيناً، فمن أصابه فهو المصيب، ومن أخطأه فهو المخطئ. لكن بالنظر إلى العمل بثمرة الاجتهاد، لاشك أن حكم كل مجتهد هو حكم الله، لتعذر معرفته بيقين.

وأخيراً تظل عقدة المسلمين الجاثمة فيهم في عصرنا هي العمل، العمل بشريعتهم عقيدة وعبادة والتزاماً وتطبيقاً لأحكام الإسلام في العبادات والمعاملات والجنايات والعلاقات الخارجية على حد سواء. [4]

 

 

 

أسباب اختلاف الفقهاء الأئمة الأربعة وغيرهم كثيرة ، وقد ألف فيها كتب منها : ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) لشيخ الإسلام ابن تيمية ، و ( التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ) لعبد الرحيم الأسنوي ، و ( الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ) لولي الله الدهلوي ، و ( أسباب اختلاف الفقهاء ) لعلي الخفيف ، و ( الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف ) لعبد الله بن سيد ، و ( بداية المجتهد ) لابن رشد ، فإنه يذكر في المسائل محل الوفاق ، ثم يذكر محل الخلاف ويبين منشأه . ومع ذلك نذكر لك بعض هذه الأسباب :

1 – اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر ؛ كالقروء في قوله تعالى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } ([5]) فالقروء : تطلق على المحيض ، وعلى الأطهار فذهب بعضهم إلى أن المطلقة تعتد بالأطهار ، وذهب آخرون إلى أنها تعتد بالحيض ، وكل له أدلة تبين المعنى الذي اختاره .

2 – تعارض الأدلة : فيختلف نظر الفقهاء في الترجيح أو الجمع بينها ، مثل حديث النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب

الشمس ، وحديث نهي من دخل المسجد عن الجلوس حتى يصلي ركعتين تحية للمسجد ، فاختلف الفقهاء في تطبيق ذلك على من دخل المسجد في وقت نهي عن الصلاة فيه ، فمنهم من قدم أحاديث النهي عن الصلاة ، ومنهم من قدم حديث تحية المسجد ، ولكل أدلة في ترجيح ما اختاره .

ومنها : أن يبلغ الحديث أحدهم دون الآخر ، ومنها : الاختلاف في النسخ .

والفتوى لا تتسع لتفصيل مثل هذا ، فارجع إلى ما تقدم ذكره من الكتب إن كنت متعلما لتستفيد منها .[6]

 

همية معرفة الاختلاف الفقهي:[7]

إن معرفة الاختلاف الفقهي من شروط الاجتهاد، وكذلك الإفتاء، وفي ذلك يقول هشام بن عبد الله الرازي : من لم يعرف الاختلاف فليس بفقيه.

ويقول عطاء : لا ينبغي لأحد أن يفتي حتى يكون عالمًا باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه ، ويقول قتادة : من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه ([8]) .

وإذا كان الافتراق حول العقائد في جملته شرًّا، فإنه يجب أن نقرر أن الاختلاف الفقهي في غير ما جاء به نص من الكتاب والسنة لم يكن شرًّا، بل كان دراسة عميقة لمعاني الكتاب والسنة وما يستنبط منها من أقيسة، ولم يكن افتراقًا بل كان خلافًا في النظر، وكان يستعين كل فقيه بأحسن ما وصل إليه الفقيه الآخر، ويوافقه أو يخالفه ([9]) . وكان عمر بن عبد العزيز يسره اختلاف الصحابة في الفروع، ويقول: ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنه لو كان قولًا واحدًا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم لكان في سعة. وفي عبارة أخرى له أيضًا: ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم ([10]) .

وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر : ( لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى نفسه في سعة، أو رأى أن خيرًا منه قد عمله).

وفي عبارة أخرى: (أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء). وقال يحيى بن سعيد : اختلاف أهل العلم توسعة، وما برح المفتون يختلفون فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا .

وبالرغم من أن معظم المنقول عن العلماء يؤكد أن في الاختلاف رحمة وخيرًا، فقد روي عن بعض العلماء عكس ذلك، فعن مالك : ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة، وإنما الحق في واحد . وعن المزني : ذم الله الاختلاف وأمر بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة .

وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بين الاتجاهين، فبين أن الاختلاف قد يكون رحمة إذا لم يُفضِ إلى شر عظيم من خفاء الحكم ، إذ قد يكون خفاء الحكم على المكلف رحمة لما في ظهوره من الشدة عليه. وقد يكون عذابًا، فإن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة (4[11]) .

 

الاختلاف الحقيقي أو المعنوي، والخلاف اللفظي:

من الأمور المهمة في المقارنة الفقهية تحرير النزاع، وذلك لاستبعاد ما ظاهره الاختلاف وليس في الحقيقة كذلك، فإذا اعتبرت الرأيين اللذين ظاهرهما الخلاف وجدتهما متفقين في المعنى بالرغم من اختلاف التعبير الموهم بوجود خلاف.

الخلاف الحقيقي أو المعنوي: ما يترتب عليه آثار شرعية مختلفة، وأحكام متباينة، أو هو ما يتعدى الخلاف فيه من الألفاظ إلى المعاني بشكل يؤثر على اختلاف النتائج والأحكام، وذلك كمسألة ما يقع بالطلاق بالثلاث مجتمعة.

والخلاف اللفظي، أو الاختلاف في العبارة: ما يرجع فيه الخلاف إلى التسمية والاصطلاح الفقهي، وذلك كتسمية جمهور الفقهاء الفرض واجبًا، ولذا كان من الخطأ نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة، كما أن نقل الوفاق في محل الخلاف لا يصح، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بغرض القائل، فلا يصح نقل الخلاف فيها ([12]) .

الفرق بين الخلاف والاختلاف:

بعض العلماء يسمي الخلاف الحقيقي (خلافًا)، ويسمي الخلاف اللفظي (اختلافًا). ومن ذلك قول الكفوي : (الاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفًا والمقصود واحد، والخلاف هو أن يكون كلاهما مختلفًا). والغالب استعمال لفظي الخلاف والاختلاف على لسان الأصوليين والفقهاء بمعنى واحد.

غير أن الشاطبي وبعض المؤلفين في الفقه والأصول فرقوا بين الخلاف والاختلاف على نحو آخر هو أن الخلاف ما نشأ عن متابعة الهوى، وهو الاجتهاد غير المعتبر شرعًا، لصدوره عمن ليس بعارف بما يفتقر إليه الاجتهاد، أو هو قول بلا دليل. أما (الاختلاف) فهو عند هؤلاء: ما يقع من آراء للمجتهدين في المسائل الدائرة بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظارهم، أو بسبب خفاء بعض الأدلة أو عدم الاطلاع عليها.

فالاختلاف هو نتيجة لتحري المجتهد قصد الشارع، وذلك باتباعه الأدلة على الجملة والتفصيل والبحث عنها، أي هو قول بني على دليل ([13]) .

 

الخلاف الزمني، والخلاف البلداني:

يتباين الحكم أحيانًا في موضوع واحد بين إمام المذهب وأصحابه، أو بين الفقهاء من طبقات مختلفة في الزمن، ويكون السبب في ذلك تغير العرف باختلاف محل الحكم، ومثاله: اختلاف أبي حنيفة وصاحبيه في سقوط خيار الرؤية بمشاهدة غرفة واحدة من الدار عند أبي حنيفة ، حيث كان المعتاد بناء الغرف على نحو موحد في عصره، وخالف في ذلك صاحباه فاشترطا رؤية جميع غرف الدار، وذلك لتغير طريقة البنيان في زمنهما. ويسمي المؤلفون هذا النوع: خلاف عصر وزمان وليس خلاف حجة وبرهان.

وقد يكون منشأ الخلاف اختلاف البلاد، ففي سقوط خيار الرؤية أيضًا يرى زفر وابن أبي ليلى أنه لابد من الدخول داخل البيوت، ولا تكفي رؤية صحن الدار، قال البابرتي : الأصح أن جواب القدوري على وفاق عادتهم في الكوفة أو بغداد في الأبنية… أما اليوم فلابد من الدخول في داخل الدار للتفاوت في مالية الدور بقلة مرافقها وكثرتها ([14]) .

اختلاف التنوع واختلاف التضاد : سيأتي الكلام عنه فيما بعد.

أسباب الاختلافات الفقهية:

الينبوع الصافي لهذه الشريعة هو كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن النصوص تتناهى، ولكن الحوادث لا تتناهى، فكان لابد من استنباط حكم شرعي لكل حادثة من الحوادث، والنصوص إن شملت الأحكام الكلية، لا تجيء فيها الأحكام الجزئية في النص، فكان لابد من التعرف بالنظر والفحص، وقد تشعبت بين أيدي الدارسين طرق تعرف الأحكام، وكل أخذ بما استقام في منطقه ونظره، وبما وصل إليه من حديث أو أثر لصحابي صح عنده ([15]) .

وهذا هو السبب الرئيسي للاختلاف بين الفقهاء، وقد أشار من كتبوا في أصول الفقه ، أو تاريخ التشريع من قدامى ومعاصرين؛ إلى أسباب الاختلاف، ومن أقدمها كتاب ابن السيد البطليوسي الأندلسي، وقد لخص الشاطبي أسباب الاختلاف من كتاب ابن السيد وهي أوسع المراجع لها، وحصرها في ثمانية أسباب:

السبب الأول: الاشتراك الواقع في الألفاظ، واحتمالها للتأويلات، وهو ثلاثة أقسام:

القسم الأول: اشتراك في موضوع اللفظ المفرد؛ كالقرء للمحيض وللطهر.

القسم الثاني: اشتراك في أحواله العارضة في التصريف، نحو: { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } [البقرة: 282]، لاحتمال لفظ (يضار) وقوع الضرر منهما إذا اعتبر مبنيًا للمعلوم، أو عليهما إذا اعتبر مبنيًا للمجهول.

القسم الثالث: اشتراك من قبل التركيب نحو { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [فاطر: 10]، لما جاء فيه من الاختلاف في الفاعل: هل هو (الكلم) أم (العمل)؟

السبب الثاني: دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز، وهو ثلاثة أقسام أيضًا:

القسم الأول: ما يرجع إلى اللفظ المفرد، نحو: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [النور: 35].

القسم الثاني: ما يرجع إلى أحواله، نحو: { بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } [سبأ: 33].

القسم الثالث: ما يرجع إلى جهة التركيب، كإيراد الممتنع بصورة الممكن، وأشباهه مما يورد من أنواع الكلام بصورة غيره، كالأمر بصورة الخبر.

السبب الثالث: دوران الدليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه، كمسألة البيع بشرط، فكل قائل بشيء منها استند إلى دليل لم يلاحظ فيه دليل غيره، كما حصل لليث بن سعد مع أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة .

السبب الرابع: دورانه بين العموم والخصوص، نحو: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة: 256]، هل هو خبر بمعنى النهي، أو هو خبر حقيقي؟

السبب الخامس: اختلاف الرواية، وله علل ثمانية: فساد الإسناد، ونقل الحديث على المعنى، أو من الصحف، والجهل بالإعراب، والتصحيف، وإسقاط جزء الحديث، أو سببه، وسماع بعض الحديث وفوت بعضه.

السبب السادس: جهات الاجتهاد والقياس.

السبب السابع: دعوى النسخ وعدمه.

السبب الثامن: ورود الأدلة على وجوه تحتمل الإباحة وغيرها؛ كالاختلاف في الأذان والتكبير على الجنائز، ووجوه القراءات.

 

ويذكر ابن رشد أسباب الاختلاف – وهي عنده ستة – كما يلي:

1 – تردد الألفاظ بين أن يكون اللفظ عامًا يراد به الخاص، أو خاصًا يراد به العام، أو عامًا يراد به العام، أو خاصًا يراد به الخاص. أو يكون له دليل خطاب أو لا يكون له.

2 – الاشتراك الذي في الألفاظ، وذلك إما في اللفظ المفرد كالقرء، أو المركب كمرجع الاستثناء في { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا } [المائدة: 34] على الفاسق فقط أو الشاهد معه، فتجوز شهادة القاذف بعد توبته.

3 – اختلاف الإعراب.

4 – تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة، أو حمله على نوع من أنواع المجاز التي هي: إما الحذف وإما الزيادة، وإما التقديم وإما التأخير، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة.

5 – إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، كإطلاق الرقبة وتقييدها بالأيمان للعتق.

6 – التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها شرع الأحكام بعضها من بعض، وكذلك التعارض الذي هو معارضة القول للفعل أو للإقرار أو القياس ، ومعارضة الإقرار للقياس ([16]) .

وقد أورد الشيخ علي الخفيف أسباب اختلاف الفقهاء بأسلوب عصري مبسط، فردها إلى ستة أسباب هي:

1 – الاختلاف في فهم بعض آيات القرآن، أو السنة النبوية.

2 – التفاوت فيما يحفظه أو يطلع عليه كل إمام، أو في ضبط حال خاصة وفي روايتها.

3 – الاختلاف في القبول أو الرد لأسانيد ما وصل من الأحاديث إلى كل إمام.

4 – التفاوت في فهم أسرار الشريعة وعللها وأغراضها.

5 – اختلاف البيئات والعادات والمعاملات باختلاف الأقطار الإسلامية وتباعدها، حيث تختلف بذلك المصالح المعتبرة التي تقوم عليها كثير من الأحكام.

6 – اختلاف المسلمين سياسيًّا في آخر عهد عثمان وفي عهد علي بظهور الشيعة والخوارج ([17]) .

ويذكر ولي الله الدهلوي أسبابًا رئيسية للاختلاف بين فقهاء الصحابة، وأكثرها يصدق أيضًا على اختلاف غيرهم بما يتناسب مع طبيعة السبب وتصوره في عهد التابعين أو الأئمة المجتهدين. وأهم هذه الأسباب التي لها صفة العموم هي:

1 – سماع حديث في قضية ولم يسمعه مجتهد آخر فاجتهد برأيه. ثم إما أن يوافق اجتهاده الحديث رغم عدم علمه به، أو يبلغه الحديث بسند مردود فلا يأخذ به، أو لا يبلغه الحديث أصلًا.

2 – اختلاف الاجتهاد في حمل الحكم على القربة أو الإباحة .

3 – الاختلاف في الجمع بين الأمرين المتعارضين ([18]) .

وقد لخص أحد الباحثين هذه الأسباب في تقسيم رباعي:

1 – الاختلاف في ثبوت الحديث وعدم ثبوته.

2 – الاختلاف في فهم النص.

3 – الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة.

4 – الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط ([19]) .

 

 

 

 


[1]   متفق عليه من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة، ورواه بقية أصحاب الكتب الستة.

[2]  راجع بداية المجتهد لابن رشد الحفيد: 5/1 ومابعدها، حجة الله البالغة للدهلوي : (115/1) وما بعدها، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، الباب الثالث و السادس، الباب الخامس والعشرون، والسادس والعشرون، الموافقات للشاطبي: (211/4 – 214)، رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية، أسباب اختلاف الفقهاء للشيخ علي الخفيف، مقارنة المذاهب في الفقه للشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد علي السايس، مالا يجوز فيه الخلاف للشيخ عبد الجليل عيسى، الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم لابن السيد البطليوسي.

[3]  رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن سليمان بن بريدة عن أبيه.

[4]  الكتاب : الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ, المؤلف : أ.د. وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ, الناشر : دار الفكر – سوريَّة – دمشق, -ج 1  ص  64-9

[5]  سورة البقرة الآية 228

[6]  الكتاب : مجلة البحوث الإسلامية – مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء 51: 118

[7]  مجلة مجمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي بجدة , 11: 773

[8]  الموافقات للشاطبي: 4/61.

[9] المذاهب الإسلامية لأبي زهرة، ص12، 16.

[10] الاعتصام للشاطبي: 13/11، والموافقات للشاطبي: 4/125.

[11] مجموع فتاوى ابن تيمية: 14/159.

[12]  منهج البحث الفقهي، د. عبد الوهاب سليمان، ص177، ومن مراجعه (سلم الوصول شرح نهاية السؤل: 1/77).

[13]  الكليات للكفوي، ص61، والموافقات للشاطبي: 4/214، 222، وفتح القدير لابن الهمام: 6/394، وحاشية ابن عابدين : 4/331.

[14]  فتح القدير: 5/144، والعناية شرح الهداية: 5/144، والاختيار للموصلي: 2/23.

[15]  المذاهب الإسلامية، الشيخ محمد أبو زهرة، ص12، 16.

[16]  الموافقات للشاطبي: 4/172، 211 – 214؛ وكشف الأسرار للبزدوي: 4/1196؛ بداية المجتهد، لابن رشد: 1/5 – 6.

[17]  أحكام المعاملات المالية ، للشيخ علي الخفيف، ص14 – 15.

[18]  الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، للدهلوي، ص23 – 30.

[19]  دراسات في الاختلافات الفقهية، د. محمد أبو الفتح البيانوني، ص33 – 34.