فضل الصيام [1]

* فمن فضائل الصوم : أن الله كتبه على جميع الأمم وفرضه عليهم : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 183 ] ، ولولا أنه عبادة عظيمة لا غنى للخلق عن التعبد بها لله وعما يترتب عليها من ثواب ما فرضه الله على جميع الأمم .

* ومن فضائل الصوم في رمضان : أنه سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات , فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه »[2] ، يعني إيمانا بالله ورضا بفرضيَّة الصوم عليه واحتسابا لثوابه وأجره , ولم يكن كارها لفرضه ولا شاكًّا في ثوابه وأجره , فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه .

* وعن أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكَفِّرات لما بينهن إذا اجْتُنِبَت الكبائر »[3] .

 

ومن فضائل الصوم : أن ثوابه لا يتقيد بعدد معين بل يُعْطَى الصائم أجره بغير حساب , فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قال الله تعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم , والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك , للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره , وإذا لقي ربه فرح بصومه » [4] ، وفي رواية لمسلم : « كل عمل ابن آدم له يضاعَف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله تعالى : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يَدَعُ شهوته وطعامه من أجلي » .

وهذا الحديث الجليل يدل على فضيلة الصوم من وجوه عديدة :

– الأول : أن الله اختص لنفسه الصوم من بين سائر الأعمال ؛ وذلك لشرفه عنده ومحبته له وظهور الإخلاص له سبحانه فيه ؛ لأنه سر بين العبد وبين ربه ، لا يطَّلع عليه إلا الله , فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس متمكِّنا من تناول ما حرم الله عليه بالصيام فلا يتناوله ؛ لأنه يعلم أن له ربا يطَّلِع عليه في خلوته , وقد حرم عليه ذلك فيتركه لله خوفا من عقابه ورغبة في ثوابه ، فمن أجل ذلك شكر الله له هذا الإخلاص ، واختص صيامه لنفسه من بين سائر أعماله ؛ ولهذا قال : « يدع شهوته وطعامه من أجلي » ، وتظهر فائدة هذا الاختصاص يوم القيامة كما قال سفيان بن عُيَيْنة رحمه الله : إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى إذا لم يبقَ إلا الصوم يتحمل الله عنه ما بقي من المظالم ، ويدخله الجنة بالصوم .

– الثاني : أن الله قال في الصوم : « وأنا أجزي به » , فأضاف الجزاء إلى نفسه الكريمة ؛ لأن الأعمال الصالحة يضاعف أجرها بالعدد , الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة , أما الصوم فإن الله أضاف الجزاء عليه إلى نفسه من غير اعتبار عدد , وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين .

والعطيَّة بقدر معطيها فيكون أجر الصائم عظيما كثيرا بلا حساب , والصيام صبر على طاعة الله ، وصبر عن محارم الله , وصبر على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش وضعف البدن والنفس , فقد اجتمعت فيه أنواع الصبر الثلاثة ، وتحقَّقَ أن يكون الصائم من الصابرين , وقد قال الله تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] .

– الثالث : أن الصوم جُنَّة أي : وقاية وستر يقي الصائم من اللغو والرفث , ولذلك قال : « ” فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب » ، ويقيه أيضا من النار , ولذلك رُوي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الصيام جنة يَسْتَجِنُّ بها العبد من النار » [5] .

– الرابع : أن خَلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ؛ لأنها من آثار الصيام فكانت طيبة عند الله سبحانه ومحبوبة له , وهذا دليل على عظيم شأن الصيام عند الله حتى إن الشيء المكروه المستخْبَث عند الناس يكون محبوبا عند الله وطيبا لكونه نشأ عن طاعته بالصيام .

– الخامس : أن للصائم فرحتين : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه , أما فرحه عند فطره فيفرح بما أنعم الله عليه من القيام بعبادة الصيام الذي هو من أفضل الأعمال الصالحة , وكم من أناس حرموه فلم يصوموا , ويفرح بما أباح الله له من الطعام والشراب والنكاح الذي كان مُحَرَّما عليه حال الصوم . وأما فرحه عند لقاء ربه فيفرح بصومه حين يجد جزاءه عند الله تعالى مُوَفَّرا كاملا في وقت هو أحوج ما يكون إليه حين يقال : أين الصائمون ليدخلوا الجنة من باب الريَّان الذي لا يدخله أحد غيرهم ؟

وفي هذا الحديث إرشاد للصائم إذا سابَّه أحد أو قاتله أن لا يقابله بالمثل لئلا يزداد السباب والقتال , وأن لا يضعف أمامه بالسكوت ، بل يخبره بأنه صائم إشارة إلى أنه لن يقابله بالمثل احتراما للصوم لا عجزا عن الأخذ بالثأر , وحينئذ ينقطع السباب والقتال : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }{ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [ فصلت : 34 – 35 ] .

– ومن فضائل الصوم : أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة , فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة , يقول الصيام : أي رب منعتُه الطعام والشهوة فَشَفِّعْنِي فيه , ويقول القرآن : منعتُه النوم بالليل فَشَفِّعْنِي فيه , قال : فيشفعان »[6] .

 

 


[1] مجالس شهر رمضان, المؤلف : محمد بن صالح العثيمين, الطبعة : الأولى, الناشر : وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية, تاريخ النشر : 1419هـ

[2] متفق عليه .

[3] رواه مسلم .

[4] متفق عليه .

 

[5] رواه الإمام أحمد بإسناد حسن .

[6] رواه أحمد والطبراني والحاكم , وقال : صحيح على شرط مسلم , وقال المنذري : رجاله محتج بهم في الصحيح .