Surat Al-Falaq

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)

سورة الفلق مدنية[1]

أعوذ : أَلجأ ، وأعتصم . الفلَق : ضوء الصبح والخَلْق . الغاسق : الليل اذا اشتدّت ظُلمتُه . النفّاثات : الساحرات ، واحدها نفّاثَة ، وهي التي تنفُثُ بِرِيقِها على عُقَدِ الخِيطان لتسحَر . الحاسد : الذي يتمنى زوالَ النعمة عن الغير .

{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق }

قل يا محمد : إني أَعتصِمُ بربّ الصُّبح الذي ينجَلي عنه الظلام .

{ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ }

من شرِّ كل مؤذٍ من جميع المخلوقات ، فلا يدفعُ شرَّها الا مالكُ أمرِها .

{ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ }

ومن شرِّ الليلِ إذا أظلمَ واشتدّ ظلامه . وقد أمرَنا الله ان نتعوّذ من شرِّ الليل لأنّه فيه تحدُث معظم الجرائم ، ففي ظلامه سَتر لكلّ مجرِم ، وفيه تخرج السِّباع من آجامها ، والهوامُ من أَمكنتها .

{ وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد }

ومن شر كلّ من يسعَى بين الناس بالإفساد ، ومنهم تلك السواحِرُ اللاتي يَنْفُثْن في العُقَد لضررِ عبادِ الله ، وليفرّقنَ بين المرءِ وزوجه .

وهناك رواياتٌ في سبب نزول هذه السورة والّتي تَليها تذكُر ان النبيّ صلى الله عليه وسلم سَحَرَه يهوديٌّ اسمه لَبيد بن الأعصم . فنزلت المعوِّذتان وزال السِّحر عندما قرأهما الرسول الكريم . ومع أن بعض هذه الروايات في الصحيح ولكنها مخالِفَة للعقيدة ، وتناقض العِصمةَ التي أُعطيت للرسول بقوله تعالى : { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة : 67 ] . والواقع أنّ هاتين السورتين مكيّتان ، وفي ذلك ما يُوهِنُ صحة الروايات .

{ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }

ونعوذُ بالله تعالى من شرِّ الحاسدِ الذي يتمنَّى زوالَ النعمة عن غيره ، والحسدُ خلُق مذموم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحسدُ يأكل الحسناتِ كما تأكل النارُ الحطب .

والحسد أول معصية عُصِيَ اللهُ بها في السماء وفي الأرض ، فَحَسَدَ ابليسُ آدمَ ، وحسد قابيلُ أخاه هابيل فقتَله .

والحاسد يضرّ نفسَه ثلاث مضرّات :

أحداها اكتسابُ الذنوب ، لأن الحسدَ حرام .

الثانية : سوءُ الأدبِ مع الله تعالى ، فإن حقيقةَ الحسد كراهيةُ إِنعام الله على عبده ، واعتراضٌ على الله .

الثالثة : تألُّم قلبِ الحاسِد من كثرةِ همِّه وغمِّه .

كلُّ العداوة قد تُرجَى إزالتها إلا عداوةُ من عاداكَ من حسَد

وخلاصة معنى السورة الكريمة : إن الله تعالى طلبَ من الرسول الكريم أن يلجأَ الى ربّه ، ويعتصمَ به من شرِّ كل مؤذٍ من مخلوقاته ، ومن شرِّ الليل إذا أظلمَ لما يصيب النفوسَ فيه من الوحشة ، ولما يتعذَّر من دَفع ضرره . ومن شرِّ المفسِدات الساعيات في حَلِّ ما بينَ الناسِ من روابطَ وصِلات ، ومن شرِّ الحاسدين الذين يتمنّون زوالَ ما أسبغَ الله على عباده من النعم .

اللهم اجعلْنا من المحسُودين لا من الحاسِدين .[2]

 

قال ابن عباس، وعائشة -رضي الله عنهما-: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [فدبت] إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأسِ النبي صلى الله عليه وسلم وعدَّة أسنانٍ من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لَبِيدُ بن الأعْصمِ، رجل من يهود، فنزلت السورتان فيه [3]

أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله بن [عبد الحكم] أخبرنا أنس بن عياض عن [هشام] عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: طُبَّ حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئًا وما صنعه، وأنه دعا ربه، ثم قال: أَشَعَرْت أن الله تعالى أَفْتانِي فيما استفتيته فيه، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: مَا وَجَعُ الرَّجُل؟ قال الآخر: هو مَطْبُوب قال: من طبَّه؟ قال لَبِيدُ بن الأعْصَمُ قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطة وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذَرْوَانَ -وذروان بئر في بني زُرَيْقٍ -قالت عائشة: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها نُقَاعةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلها رءوسُ الشياطين، قالت: فقلت له: يا رسول الله هلا أخرجتَه؟ قال: “أما أنا فقد شفاني الله، فكرهت أن أثير على الناس به شرا” [4] .

وروي أنه كان تحت صخرة في البئر، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جُفَّ الطلعة، فإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان مشطه [5]

أخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، أخبرنا ابن أبي عاصم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان بن أرقم قال: سَحَرَ النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، قال: فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا [6] ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهود ولا رأوه في وجهه قط [7] .

قال مقاتل والكلبي: كان في وتر عُقِد عليه إحدى عشرة عقدة. وقيل: كانت العُقَد، مغروزة بالإبرة، فأنزل الله هاتين السورتين وهما إحدى عشرة آية؛ سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، كلما قرئت آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال [8] .

وروي: أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا بشر بن هلال الصواف، حدثنا [عبد الوارث][9] حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيتَ؟ قال: نعم، فقال: “بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك والله يشفيك” [10] .

 

 


[1] قال ابن الجوزي في زاد المسير: 9 / 270 “وفيها قولان: أحدهما: مدنية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة في آخرين . والثاني مكية: رواه كريب عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء وعكرمة، وجابر. والأول أصح، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر وهو مع عائشة، فنزلت عليه المعوذتان”.

 

[2]  تيسير التفسير, المؤلف : إبراهيم القطان

[3]  ذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 575 عن الثعلبي ثم قال: “هكذا أورده بلا إسناد وفيه غرابة وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم والله أعلم”

[4] أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده: 6 / 334، ومسلم، في السلام باب السحر برقم (2189):4 / 1719 – 1720 والمصنف في شرح السنة: 12 / 185 – 186.

[5] عزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 687 لابن مردويه والبيهقي في الدلائل.

[6] زاد الإمام أحمد: في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها.

[7] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 7 / 30 (القسم الثاني)، والإمام أحمد في المسند: 4 / 367.

[8] ذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 687.

[9] هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري.

[10] أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى، برقم (2186): 4 / 1718 ما عدا الجملة الأخيرة (والله يشفيك) وهي من نسخة “أ” فقط.